محمد بن جرير الطبري

404

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الا لشر يريده ، وما أرى الا تخليه ما انا فيه ، واللحاق بخاقان ملك الترك ، والاستجاره به وببلاده ، فبالحري ان آمن على نفسي ، وامتنع ممن أراد قهري والغدر بي . فقال له الفضل : أيها الأمير ، ان عاقبه الغدر شديده ، وتبعه الظلم والبغى غير مأمون شرها ، ورب مستذل قد عاد عزيزا ، ومقهور قد عاد قاهرا مستطيلا ، وليس النصر بالقلة والكثرة ، وحرج الموت أيسر من حرج الذل والضيم ، وما أرى ان تفارق ما أنت فيه وتصير إلى طاعه محمد متجردا من قوادك وجندك كالرأس المختزل عن بدنه ، يجرى عليك حكمه ، فتدخل في جمله أهل مملكته من غير أن تبلى عذرا في جهاد ولا قتال ، ولكن اكتب إلى جبغويه وخاقان ، فولهما بلادهما ، وعدهما التقوية لهما في محاربه الملوك ، وابعث إلى ملك كابل بعض هدايا خراسان وطرفها ، وسله الموادعة تجده على ذلك حريصا ، وسلم الملك ابراز بنده ضريبته في هذه السنة ، وصيرها صله منك وصلته بها ، ثم اجمع إليك اطرافك ، واضمم إليك من شذ من جندك ، ثم اضرب الخيل بالخيل ، والرجال بالرجال ، فان ظفرت والا كنت على ما تريد من اللحاق بخاقان قادرا فعرف عبد الله صدق ما قال ، فقال : اعمل في هذا الأمر وغيره من أموري بما ترى ، وانفذ الكتب إلى أولئك العصاة ، فرضوا وأذعنوا ، وكتب إلى من كان شاذا عن مرو من القواد والجنود ، فأقدمهم عليه ، وكتب إلى طاهر بن الحسين وهو يومئذ عامل عبد الله على الري ، فأمره ان يضبط ناحيته ، وان يجمع اليه أطرافه ، ويكون على حذر وعده من جيش ان طرقه ، أو عدو ان هجم عليه واستعد للحرب ، وتهيأ لدفع محمد عن بلاد خراسان . ويقال : ان عبد الله بعث إلى الفضل بن سهل فاستشاره في امر محمد ، فقال : أيها الأمير ، انظرني في يومى هذا اغد عليك براي ، فبات يدبر الرأي ليلته ، فلما أصبح غدا عليه ، فاعلمه انه نظر في النجوم فرأى انه سيغلبه ، وان العاقبة له فأقام عبد الله بموضعه ، ووطن نفسه على محاربه محمد ومناجزته